طارق عبدالمطلب يكتب : تذكرة الى المقبرة

لم يكن اليوم الدراسي قد انتهى عندما دسها صديقه في جيبه.. ابتسم وادرك انها تذكرة المباراة التي ينتظر حضورها منذ عدة اسابيع .. يعلم أن والد صديقه من الواصلين وأن تذاكر المباريات تصله حتى مكتبه.. لكن عليه ألا يخبر أحدا لأن التذاكر محدودة وقد وٌزّعت في صورة دعوات ممن تخيل أنه صاحب الفرح والوحيد الذي يمنح ويمنع ورقة المرور الى المدرجات.

بفرحة المراهقين اتجه الى البيت ملوحا لأمه بالتذكرة، رفض الأنصياع لنصائحها بالبقاء ومشاهدة المباراة عبر الشاشات.. أكد لها أن مدرس الكمياء أجل لهم الدرس في المركز التعليمي المتاخم للمدرسة حينما طالبوه بذلك حتى يتسنى لهم الذهاب مبكرا لملعب المباراة .. انصاعت الأم لأبنها، فهي تعلم أن حلمه في اللعب تحطم منذ أخفق في إجتياز اختبارات النادي وبعدها تحول حلمه وطاقته الى تشجيع فريقه الذي يحبه منذ طفولته.. الأم تدرك أن وجوده بين مصاف المشجعين يشبع رغبته ويٌكمل حلمه المنقوص، وتعلم أيضا أنه من الطيبين البارين بها وبأبيه وشقيقتيه فلم ترد أن تعكر صفو بهجته.. أيقنت أن عليها مجاراته في هذا السن المعروف بالمراهقة لعلمها أن ذلك اللفظ أنما أطلق على فترة مابين الطفولة والشباب لأن الفتى فيه يرهق كل من حوله.. فقط طالبته بارتداء ملابس ثقيلة تقي نحافته من البرد، كما طالبته بالحذر والابتعاد عن أي تجمعات أو مظاهرات لأنهم كعائلة لايحبون السياسة أو الانتماء لأي من روافدها.. مع صافرات الرفاق في الشارع، هرول متعجلا وهو يرتدي فانلة النادي ويلملم حاجياته الصغيرة بما فيها الشعار.
غمرته السعادة وهو في طريقه الى الملعب.. كان يشدو مع رفاقه بأهازيج النصر واذا توقفوا يتحدثون عن تتويج منتظر ومتاح لفريق ناديهم المتعطش للألقاب.. قبل الأقتراب من الملعب أخرج تذكرته .. لوح بها سعيدا وقرر أن يدخل بشكل شرعي من الباب.. لكنه لم يكن يدرك أن ذلك الباب لا يفتح على الملعب.. كان الى العالم الآخر حيث تستقر الأجساد تحت التراب.. لم يكن يعي – كغيره من الرفاق – انه لن يشاهد هذه المباراة، وأن التذكرة التي حصل عليها كانت.. الى المقبرة.

  • كاتب المقال : الكاتب الصحفى والناقد الرياضى طارق عبدالمطلب نائب رئيس تحرير الكورة والملاعب 

شاهد أيضاً

المستشار اسامة الصعيدى يكتب: الصمت طريق النجاح مع المنتخب المصري

أزعجني كما أزعج السواد الأعظم من المصريين المهتمين بالشأن الرياضي تصريحات روي فيتوريا المدير الفني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.